من أعمالنا في سلطنة عُمان
مذكرة دفاع بالبراءة في جنحة ممارسة أعمال مصرفية بدون ترخيص في سلطنة عمان
الدفوع القانونية لانتفاء الأركان الجنائية وبطلان الإجراءات في القانون المصرفي
الوقائــــع:
تتلخص وقائع الدعوى في أنه بتاريخ 27/7/2026م، سطر الملازم أول/ ــــــــــ محضر بحث وتحري بناءً على معلومة مزعومة من “مصدر سري” يدعي فيها أن المتهم (وهو شريك تجاري ومقاول يحمل إقامة) يقوم بتحويل مبالغ مالية لأشخاص مخالفين لقانون العمل ومتسللين، زاعماً أنه يقوم بتحصيل فائدة تتمثل في “فارق العملة”. وهي رواية مرسلة لم يُضبط فيها متسلل واحد أو مخالف واحد يؤكد صحتها.
وبناءً على تلك التحريات القاصرة، وفي ظهيرة يوم 11/8/2026م، تم استصدار طلب إذن تفتيش ومذكرة إلقاء قبض من الادعاء العام (الدائرة الأولى بـ ــــــــــ). وهنا بدأت سلسلة من الإجراءات التي لا يقبلها منطق قانوني سليم:
-
عصف بضمانات الدفاع: تم القبض على المتهم، واقتياده إلى مركز شرطة ــــــــــ، وفي تمام الساعة (18:50) من ذات اليوم، افتتح الرقيب أول/ ــــــــــ محضر استجواب للمتهم، دون أن يوفر له مترجماً رغم كونه باكستاني الجنسية ولا يجيد العربية!
-
التناقض الزمني الفاضح: في مفارقة تثبت صورية الإجراءات، أُغلق محضر الاستجواب المذكور في الساعة (18:20)، أي قبل افتتاحه بنصف ساعة!
-
التفتيش اللاحق للاستجواب: وفي تمام الساعة (19:20) مساءً، أي بعد انتهاء الاستجواب، انتقلت قوة الشرطة لتفتيش غرفة المتهم، حيث أسفر التفتيش عن ضبط “كراسة زرقاء” و”ختم شركة ــــــــــ وشركاه” وبعض الأوراق. فكيف تم استجواب المتهم حول مضبوطات لم تكن قد ضُبطت بعد؟!
وفي ذات ليلة 11/8/2026م، وفي تمام الساعة (22:56)، شعرت جهة الضبط بضعف روايتها، ففتحت “ملحق محضر إفادة” مع المتهم (أيضاً بدون مترجم)، حيث نُسب إليه القول بأنه يساعد أصدقاءه في تحويل الأموال عبر الصرافات الرسمية والبنوك، وأنه يتقاضى عمولة تافهة قدرها (500 بيسة فقط).
في صباح اليوم التالي 12/8/2026م (الساعة 10:53 صباحاً)، مثل المتهم أمام رئيس الادعاء العام، وهنا فقط تم إحضار مترجم قانوني، لوضع الأمور في نصابها الصحيح، حيث أنكر ممارسة أي عمل مصرفي، وأوضح للادعاء العام الحقائق الدامغة الآتية:
-
أنه يمتلك شركة مقاولات، والأوراق المضبوطة تخص عماله (حوالي 10 أشخاص) جميعهم يحملون إقامات قانونية (وليسوا متسللين كما زعم المصدر السري المجهول).
-
أن التحويلات التي تتم هي لرواتب هؤلاء العمال بمتوسط (25 إلى 100 ريال) كنوع من المساعدة لهم لعدم تفرغهم.
-
أنه لا يمارس الصرافة من الباطن، بل يتجه كأي عميل عادي إلى القنوات المالية المرخص لها بالعمل في الدولة العُمانية (بنك مسقط، صرافة يوني موني، الخليج للصرافة) لإجراء التحويل.
-
أن مبلغ (200 إلى 300 بيسة) الذي يتقاضاه بالكاد يغطي مصروفات النقل وأجرة الطريق للمرور على محلات الصرافة، ولا يمثل بحال من الأحوال “عمولة تجارية” لعمل مصرفي، أو يُضفي رِبحاً على المتهم.
وبتاريخ 13/8/2026م، قام الادعاء العام بتفريغ الكراسة الزرقاء بحضور مترجم، وتبين أنها مجرد دفتر يوميات عادي يحتوي على أسماء عمال ومبالغ مالية، وهو أمر بديهي وطبيعي جداً لشخص يمارس مهنة المقاولات ويدير عمالاً يتقاضون رواتب وسلفيات.
ورغم خلو صحيفة السوابق الجرمية للمتهم من أي سوابق، ورغم انتفاء الركن المادي للجريمة، وانتفاء القصد الجنائي للتربح، إلا أن الادعاء العام أصدر في ذات اليوم 13/8/2026م قراراً بإحالة المتهم إلى المحكمة الابتدائية (الدائرة الجزائية) بولاية ــــــــــ، بارتكابه جنحة مزاولة نشاط مالي دون الحصول على ترخيص، استناداً للمادة (236) بدلالة المادة (135) من القانون المصرفي.
عدالة المحكمة الموقرة؛
هذه هي الوقائع المجردة للاتهام المسند إلى المتهم، وهو مقاول بسيط يحاول مساعدة عماله في تحويل رواتبهم عبر المؤسسات المصرفية الرسمية للدولة، فوجد نفسه -بسبب تحريات مكتبية غير دقيقة ومصدر سري غير معلوم- يقف في قفص الاتهام! مترقباً العدل والإنصاف، لا سيما أنه في ريعان شبابه وأصبح مستقبله مهدداً هو ومن يعول. ومن هنا؛ وبحــق ينعقد دفاعنا عن المتهم لتفنيد هذا الاتهام شكلاً وموضوعاً على النحو الآتي:
الدفوع والطلبات:
يلتمس المتهم من عدالة المحكمة الحكم بالبراءة من التهمة المسندة إليه، تأسيساً على:
-
الدفع ببطلان محضر جمع الاستدلالات لغياب مترجم مع المتهم.
-
الدفع ببطلان اعتراف المتهم أمام الشرطة كونه وليد إكراه معنوي (على سبيل الفرض الجدلي بصحته).
-
الدفع بالتناقض الزمني الفاضح في الإجراءات والشك في مصداقيتها وصحتها.
-
الدفع بمكتبية التحريات وعدم جديتها، وانعدام حالة التلبس بدلالة عدم ضبط أي من المخالفين أو المتسللين.
-
الدفع بانتفاء الركن المادي، وأن النشاط لم يكن مستمراً وغير موجه لقاعدة من الجمهور بغير تمييز.
-
الدفع بانتفاء القصد الجنائي وانعدام نية التربح (بدليل نسبة العمولة الضئيلة).
-
الدفع بخلو أوراق القضية من ثمة دليل يقيني لإسناد الاتهام.
-
صحيفة سوابق المتهم تقطع بحسن سيرته وسلوكه.
بيان وتفصيل أوجه الدفوع والطلبات:
أولاً: الدفع ببطلان محضر جمع الاستدلالات (محاضر الشرطة) لغياب مترجم مع المتهم
من المبادئ المستقرة في فقه الإجراءات الجزائية أن صحة الإجراءات هي الضمانة الأساسية للوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة. وقد حرص المُشرع العُماني على حماية حقوق المتهمين، لا سيما الأجانب منهم الذين لا ينطقون بلغة الضاد، حيث نصّت المادة (3) من قانون الإجراءات الجزائية صراحةً على أنه:
«تجرى جميع الإجراءات المنصوص عليها في هذا القانون باللغة العربية، ويجب أن تسمع أقوال الخصوم والشهود الذين يجهلون اللغة العربية بواسطة مترجم بعد حلفه اليمين».
كما نصت المادتان (34) و (35) من ذات القانون على صلاحيات مأموري الضبط القضائي في سماع الأقوال وتدوينها، وهي صلاحيات مُقيدة بضوابط المادة (3) سالفة الذكر.
ولما كان المتهم (ــــــــــ) باكستاني الجنسية، ويجهل اللغة العربية تحدثاً وكتابةً، وبالنظر إلى محضر الإفادة وملحق محضر الإفادة المؤرخين في 11/8/2026م، والمحررين بمعرفة الرقيب أول/ ــــــــــ بإدارة تحريات ــــــــــ، نجد أن مأمور الضبط القضائي قد خالف القانون، وخالف ما نص عليه المشرع من وجوب الاستعانة بمترجم.
فقد قام مأمور الضبط القضائي باستجواب المتهم وتدوين إجابات تفصيلية، بل ونَسَبَ إليه إقرارات وموافقات، كل ذلك في غياب تام لأي مترجم! فكيف تسنى لمأمور الضبط أن يطرح أسئلة قانونية دقيقة بلغة عربية على متهم باكستاني؟ وكيف تسنى للمتهم أن يدرك طبيعة ما يُدون على لسانه، أو أن يتأكد من صحة ما يُجبر على التوقيع عليه وهو لا يفهم حرفاً مما كُتب؟!
ويُعد إثبات رئيس الادعاء العام بأن المتهم لا يتحدث العربية أقوى دليل على ذلك، إذن فبأي لغة تواصل مأمور الضبط مع المتهم في اليوم السابق؟ وكيف استخلص منه تلك الإفادات دون مترجم؟
بناءً على ما تقدم؛ ولما كان مأمور الضبط القضائي قد خالف نص المشرع بوجوب أن تُسمع أقوال الخصوم الذين يجهلون العربية بواسطة مترجم بعد حلفه اليمين، فإن هذا المحضر (محضر الإفادة وملحقه) وما تم تدوينه فيه من أقوال مزعومة، هو والعدم سواء.
الأمر الذي يحق معه للمتهم ودفاعه الدفع ببطلانه بطلاناً مطلقاً لتعلقه بضمانة جوهرية من ضمانات الدفاع، وطلب استبعاده نهائياً من أدلة الإثبات، وعدم التعويل عليه في بناء عقيدة المحكمة.
ثانياً: الدفع ببطلان اعتراف المتهم أمام الشرطة كونه وليد إكراه معنوي
(على سبيل الفرض الجدلي بصحة المحضر وملحقه)
إن الدفع ببطلان الاعتراف المدون بمحضر تحقيق الشرطة، كونه وليد إكراه معنوي، يجد سنده من الواقع والقانون ومبادئ أحكام محكمتنا العليا، وذلك للآتي بيانه لعدلكم الكريم:
-
باعث الرهبة واختلال الإرادة: يتجلى الإكراه المعنوي في وجود باعث الرهبة المعتاد في نفس المتهم عند تواجده بمفرده في أحد مراكز الشرطة. فالمتهم (ــــــــــ) رجل مغترب، وجد نفسه فجأة مقبوضاً عليه ومساقاً إلى جهة التحقيق، يقف في موقف المتهم الذي قد يصور له تفكيره البسيط أنه على بُعد خطوة أو خطوات بسيطة من السجن، لا لشيء إلا لأنه قام بمساعدة عماله وأصدقائه من بني جنسيته لإرسال رواتبهم لشعوره بحاجتهم لذلك لعدم تفرغهم. هذا الموقف الضاغط كفيل بسلب إرادة أي إنسان ودفعه للموافقة على أي شيء يُملى عليه للخلاص من رهبة الموقف.
-
حاجز اللغة كأداة للإكراه المعنوي: كما أوضحنا لعدالتكم، فإن المتهم يجهل اللغة العربية تحدثاً وكتابةً. وفي ظل عدم وجود مترجم، كيف له أن يتأكد من الأقوال المزعومة والمنسوب صدورها إليه بمحضر هذا التحقيق؟
-
إن إجبار شخص على التوقيع على أوراق مدونة بلغة لا يفقه منها حرفاً، وتحت وطأة التوقيف الأمني، يُعد أقصى درجات الإكراه المعنوي، مما يجعل أي اعتراف يُستخلص في هذه البيئة باطلاً بطلاناً مطلقاً.
ومن المقرر بقضاء محكمتنا العليا أن:
الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال، لمحكمة الموضوع الحرية كاملة في تقدير صحته وقيمته في الإثبات سواء أصدر من المتهم بحق نفسه أم على غيره. شرطه الدفع ببطلان الاعتراف للإكراه. دفاع جوهري.
(الطعن رقم 495/2015م – جزائي – جلسة 3/11/2015م)
(الطعن رقم 819/2015م – جزائي – جلسة 5/1/2016م)
وأنّ الاعتراف الذي يعول عليه يجب أن يكون اختيارياً، وهو لا يعتبر كذلك – ولو كان صادقاً – إذا صدر إثر إكراه أو تهديد كائناً ما كان قدر هذا التهديد أو ذلك الإكراه، وكان من المقرر أن الدفع ببطلان الاعتراف لصدوره تحت تأثير التهديد أو الإكراه هو دفع جوهري يجب على محكمة الموضوع مناقشته والرد عليه.
(الطعن رقم 616/2013م – جزائي – جلسة 11/2/2014م)
وكان الأصل أنه يتعين على المحكمة إن هي رأت التعويل على الدليل المستمد من الاعتراف أن تبحث الصلة بينه وبين الإكراه المزعوم حصوله وأن تنفي قيام هذا الإكراه في استدلال سائغ.
(الطعن رقم 669/2013م و670/2013م و671/2013م – جزائي – جلسة 4/3/2014م)
ومن يدعي الإكراه عليه إقامة الدليل، ذلك أن الأصل عدم الإكراه وعبء إثبات الإكراه يقع على من يدعي خلاف الأصل.
(الطعن رقم 511/2015م – جزائي – جلسة 17/11/2015م)
ولما كان ما تقدم؛ وكان جلياً أن إرادة المتهم كانت معيبة وقت استجوابه لدى الشرطة، محاصرة برهبة التوقيف ومسلوبة بسبب عجز التواصل اللغوي، فإن ما نُسب إليه في محاضر جمع الاستدلالات يفتقر تماماً لشرط “الاختيار الحر” الذي تطلبه القانون واشترطته مبادئ المحكمة العليا. ومن ثم، يسقط هذا الاعتراف المزعوم من عِداد أدلة الإثبات، ولا يجوز التعويل عليه بأي حال من الأحوال في بناء عقيدة المحكمة.
ثالثاً: الدفع بالتناقض الزمني الفاضح في الإجراءات والشك في مصداقيتها وصحتها
بمطالعة أوراق الدعوى، وتحديداً محاضر الاستدلال التي سطرها مأمور الضبط القضائي بتاريخ 11/8/2026م، نجد أننا أمام “مفارقة زمنية” تستحيل عقلاً ومنطقاً، وتؤكد يقيناً أن هذه المحاضر كُتبت بصورة مكتبية متعجلة لا تعكس الحقيقة، وذلك يتضح من خلال الآتي:
-
العودة بالزمن في محضر الإفادة: الثابت بمحضر إفادة المتهم أنه افتُتح في تمام الساعة (18:50) من مساء يوم 11/8/2026م. إلا أن مأمور الضبط القضائي اختتم المحضر ذاته بعبارة: “وعليه أغلق محضر السؤال عند الساعة 18:20” (أي 6:20 مساءً)! فكيف يُعقل أن يُغلق محضر التحقيق قبل أن يُفتتح بنصف ساعة كاملة؟!
-
تكرار ذات الخلل في ملحق الإفادة: ولم يقف التخبط عند هذا الحد، بل تكرر ذات الخطأ في “ملحق محضر الإفادة” المحرر في ذات الليلة، حيث أُثبت في صدره أنه افتُتح الساعة (22:56)، ثم ذُيّل بعبارة أنه أُغلق الساعة (22:55)!
-
التضارب بين وقت الاستجواب ووقت الضبط: أثبت محضر الضبط أن تفتيش منزل المتهم والعثور على (الكراسة الزرقاء والختم) تم في تمام الساعة (19:20) مساءً. وهذا التوقيت يقع في المنطقة الزمنية المتخبطة لمحاضر الاستجواب، مما يثير تساؤلاً مشروعاً: هل تم استجواب المتهم قبل الضبط أم بعده؟ وكيف نثق في تسلسل إجراءات تخالف أبسط قواعد المنطق الزمني؟!
فضيلة القاضي .. رئيس المحكمة الموقرة؛
إذا كنا في ساحات القضاء نتمسك بقاعدة أن التناقض والتضارب في أقوال الخصوم والشهود كفيل بهدم مصداقيتهم والتشكيك في رواياتهم – كما هو الحال في دفعنا بتناقض أقوال الشاكين في قضايا مشابهة – فإن التناقض الزمني في “المحررات الرسمية الاستدلالية” أشد خطراً وأعظم بطلاناً؛ لأنه ينسف قرينة “الصحة الرسمية” التي تُسبغ على محاضر الضبط، ويثبت أنها نُظمت بشكل صوري ولاحق للواقع.
فمن المقرر بقضاء محكمتنا العليا أن:
الأحكام تبنى على الجزم واليقين ولا تبنى على الشك والتخمين.
وأن لمحكمة الموضوع السلطة التقديرية في القضاء بالبراءة لتشككها في صحة إسناد التهمة إلى المتهم أو لعدم كفاية الدليل.
(الطعن رقم 15/2016م – جزائي – جلسة 15/3/2016م)
(الطعن رقم 295/2012م – جزائي – جلسة 14/1/2013م)
ولما كان ما تقدم؛ وكانت محاضر الاستدلال المرفقة بالدعوى قد جاءت بتناقضاتٍ زمنيةٍ فجّة لا يستقيم معها العقل أو المنطق، فإن الشك القوي يحيط بصحتها ومصداقيتها. ومن حيث أن الشك يُفسر دائماً لمصلحة المتهم، فإننا نلتمس من عدالتكم إهدار هذه المحاضر وما تلاها من إجراءات، لافتقارها إلى أدنى درجات الجزم واليقين المطلوبة للإدانة الجزائية.
رابعاً: الدفع بمكتبية التحريات وعدم جديتها، وانعدام حالة التلبس بدلالة عدم ضبط أي من المخالفين أو المتسللين
من المستقر عليه فقهاً وقضاءً أن التحريات لا تعدو أن تكون مجرد رأي لمجريها، تحتمل الصدق والكذب، ولا تصلح وحدها كدليل إدانة ما لم تعزز بأدلة مادية ملموسة وقرائن يقينية. وبإنزال هذا المبدأ على واقعة الدعوى المطروحة، نجد أن هذه القضية برمتها قد انطلقت من “محضر بحث وتحري” سُطر بتاريخ 27/7/2026م بناءً على زعم من “مصدر سري مجهول”.
وقد ادعى هذا المصدر السري، وسايره في ذلك مأمور الضبط القضائي، أن المتهم يقوم بتحويل مبالغ مالية لأشخاص مخالفين لقانون العمل والإقامة ومن المتسللين، مدعياً أنه يستهدف هؤلاء لعدم قدرتهم على التحويل القانوني. وهنا يثار السؤال الآتي: أين هم هؤلاء المتسللون والمخالفون في الدعوى وأوراقها؟!
لقد انتقلت قوة الشرطة لمداهمة مسكن المتهم وتفتيشه بناءً على هذا الإذن، فهل تم ضبط شخص واحد “متسلل” أو “مخالف” يتردد على سكنه لتحويل الأموال؟ الإجابة قطعاً: لا، لم يُضبط أحد. فكيف نكون أمام جريمة يُزعم أنها تُرتكب بشكل يومي، ثم تعجز تحريات الشرطة عن ضبط حالة تلبس واحدة لأي من هؤلاء العملاء المزعومين؟
إن انعدام حالة التلبس، وعدم ضبط أي شخص من الفئة التي زعم محضر التحريات وجودها، يقطع يقيناً بأن هذه التحريات هي “تحريات مكتبية” محضة، سُطرت داخل جدران المكاتب بناءً على وشاية كاذبة، دون أي عمل ميداني جاد أو مراقبة حقيقية تثبت صحة هذا الادعاء. وقد دحض المتهم هذا الافتراء تماماً أمام الادعاء العام، مؤكداً بوضوح أن الأشخاص الذين يحول لهم رواتبهم (وعددهم حوالي 10 أشخاص) هم عمال يعملون في المزارع ولديهم إقامات قانونية سارية.
عدالة المحكمة الموقرة؛
كما أشرنا في مذكرات ودعاوى مشابهة، فإن استمارة البلاغ الجرمي وأقوال محررها (أو مصدره السري) وحدها لا تصلح لثبوت الاتهام. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال، كما روى ابن عباس رضي الله عنهما: «لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر».
فالبينة هنا مفقودة، والتحريات جاءت قاصرة ومفتقرة لأدنى درجات الجدية، مما يجعل إسناد الاتهام ضرباً من ضروب الظن، ولكن الأحكام تبنى على الجزم واليقين ولا تبنى على الشك والتخمين، وأن لمحكمة الموضوع السلطة التقديرية في القضاء بالبراءة لتشككها في صحة إسناد التهمة إلى المتهم أو لعدم كفاية الدليل (الطعن رقم 15/2016م – جزائي، والطعن رقم 295/2012م – جزائي).
ولما كان ذلك؛ وكانت التحريات قد ثبتت مكتبيتها وعدم جديتها بانعدام ضبط أي من المتسللين المزعومين، وقد خلت الأوراق من أي حالة تلبس تدعم هذا الادعاء، فإن الشك يعصف بهذا الدليل ويقتضي طرحه وعدم التعويل عليه، إعمالاً لمبدأ أن الشك يُفسر دائماً لمصلحة المتهم.
خامساً: الدفع بانتفاء الركن المادي، وأن النشاط لم يكن على وجه الاستمرار، وغير موجه لقاعدة من الجمهور بغير تمييز
باستقراء أوراق الدعوى المطروحة للبحث على بُساط عدل المحكمة الموقرة، نجد أنها قد شُيدت بغير أركان؛ فالمنطق القانوني السليم يقتضي أن الركن المادي المكون لجريمة ممارسة الأعمال المصرفية دون ترخيص يتطلب أن يمارس المتهم نشاطه بانتظام، وأن يكون هذا النشاط مفتوحاً للناس كافة دون تمييز أو تحديد.
وقد خلت أوراق الدعوى تماماً مما يشير إلى قيام المتهم بتوجيه دعوة للجمهور بأي وسيلة مباشرة أو غير مباشرة لهذا النشاط. بل على العكس، فإن أقوال المتهم التي جاءت متطابقة في كافة مراحل التحقيق تؤكد أنه يعمل “شريكاً تجارياً” ومقاول بناء، وأن من يقوم بمساعدتهم هم دائرة مغلقة ومحدودة جداً لا تتجاوز (10 أشخاص)، تربطه بهم علاقة عمل (عمال لديه باليومية) أو صداقة شخصية.
فمساعدة عشرة عمال في تحويل رواتبهم التي تتراوح بين (25 إلى 100 ريال) لا يمكن أن يُسبغ على فعله صفة “العمومية”، ولا يجعله مؤسسة مصرفية مفتوحة للجمهور بدون ترخيص!
فضيلة القاضي .. رئيس المحكمة الموقرة؛
إن أخطر ما في هذا الاتهام هو الخلط بين “ممارسة العمل المصرفي” وبين “الوكالة العرفية لتوصيل الأموال”. فالمتهم لم ينشئ “حوالة سوداء” أو نظاماً موازياً للبنوك، بل كان يستلم الأموال من عماله ليتوجه بها بنفسه إلى المؤسسات المالية المرخصة رسمياً في السلطنة، حيث أقر صراحة في التحقيقات بأنه يستخدم (بنك مسقط، وشركة يوني موني، والخليج للصرافة) لإجراء هذه التحويلات.
إن الجهة التي “مارست” العمل المصرفي وقامت بالتحويل الفعلي هي جهات مرخصة من البنك المركزي العُماني. أما المتهم، فلم يكن سوى “مندوب” أو “ناقل” يجمع رواتب عماله وأصدقائه الذين تمنعهم ظروف عملهم من التوجه للصرافات، ويقوم بإيداعها أو تحويلها عبر القنوات المشروعة، ثم يرسل لهم إيصالات التحويل الرسمية.
ومما تقدم وهدياً به؛ ولما كان نشاط المتهم منحصراً في دائرة ضيقة ومغلقة ولم يُفتح للناس كافة، وقد خلت الأوراق من أي دعوة وجهها للجمهور لممارسة هذا النشاط، ولما كانت التحويلات تتم عبر بنوك وشركات صرافة مرخصة قانوناً؛ فإن الركن المادي المكون لجريمة ممارسة الأعمال المصرفية ينهار تماماً وينتفي في حق المتهم، وما يترتب على ذلك حتماً من انتفاء القصد الجنائي بانتفاء الركن المادي المكون للجريمة، وهو ما يحق معه للمتهم ودفاعه طلب القضاء ببراءته من الاتهام المسند إليه.
سادساً: الدفع بانتفاء القصد الجنائي وانعدام نية التربح (بدليل نسبة العمولة الضئيلة)
من الأصول المستقرة في الفقه والقضاء الجزائي أن الجرائم الاقتصادية ومخالفة قوانين النقد والصرافة لا تكتفي بالقصد الجنائي العام، بل تتطلب قصداً جنائياً خاصاً يتمثل في “نية التربح التِجاري” واتخاذ النشاط كحرفة بقصد تحقيق الأرباح.
وكما سبق وأوضحنا لعدالتكم في تفنيدنا السابق، فإنه وسريعاً ما ينتفي في القضية الراهنة القصد الجنائي بانتفاء الركن المادي المكون لها. وعلى سبيل الفرض الجدلي، إذا ما نظرنا إلى ما جاء بقائمة أدلة الإثبات كدليل على التربح، نجد أن الاتهام قد استند إلى حصول المتهم على “عمولة” نظير قيامه بالتحويل.
وهنا نتساءل: كم تبلغ هذه العمولة التي استدعت تحريك دعوى جزائية بتهمة ممارسة عمل مصرفي؟ لقد أقر المتهم بكل شفافية وعفوية، أمام الادعاء العام، أن ما يتقاضاه من عماله وأصدقائه يتراوح بين (مائتين إلى خمسمائة بيسة) عن كل عملية تحويل، وأحياناً لا يحصل على شيء إطلاقاً!
عدالة المحكمة الموّقرة؛
والثابت أن المقابل المنسوب إلى المتهم تراوح بين 200 و500 بيسة، ولم تقدم الأوراق ما يثبت أنه كان يحقق من ذلك نشاطًا ماليًا مستقلاً أو عائدًا تجاريًا منتظمًا. والمنطق التجاري يرفض هذا الاتهام جملة وتفصيلاً، فهل يُعقل أن يُخاطر شخص بإنشاء “عمل مصرفي غير مرخص” ليجني ربحاً قدره 200 أو 500 بيسة؟!
إن هذا المبلغ الزهيد لا يعد، بأي معيار اقتصادي أو قانوني، “عمولة” أو “ربحاً تجارياً”. بل هو في حقيقته وتكييفه الواقعي مجرد “بدل انتقال ومصروفات نثريات”؛ فهو بالكاد يغطي أجرة مركبة الأجرة (التاكسي) أو تكلفة الوقود للانتقال من مقر سكنه إلى مقار محلات الصرافة الرسمية للوقوف في طوابير الانتظار وإجراء التحويل نيابة عن عماله.
إن دافع المتهم لم يكن يوماً التربح أو ممارسة أعمال البنوك، بل كان يتصرف بوازع من المساعدة لعماله وأصدقائه الذين تمنعهم أوقات عملهم الطويلة في المزارع أو مواقع البناء من التوجه بأنفسهم لإرسال أموالهم لذويهم.
بناءً على ما تقدم وهدياً به؛ ولما كان القصد الجنائي ونية التربح منعدمين تماماً في هذه الواقعة ولا دليل عليها، ولما كانت أدلة ثبوت الاتهام قاصرة، فمن الثابت والمقرر أن الأحكام تبنى على الجزم واليقين ولا تبنى على الشك والتخمين، وأن لمحكمة الموضوع السلطة التقديرية في القضاء بالبراءة لتشككها في صحة إسناد التهمة إلى المتهم أو لعدم كفاية الدليل. لذا، نلتمس من عدالتكم الموقرة القضاء ببراءة المتهم لانتفاء القصد الجنائي بشقيه العام والخاص.
سابعاً: الدفع بخلو أوراق القضية من ثمة دليل يقيني لإسناد الاتهام
باستقراء أوراق الدعوى المطروحة للبحث على بُساط عدل المحكمة الموقرة، نجد أن سلطة الاتهام قد أسست بنيانها على ركيزتين:
الركيزة الأولى: البلاغ الجرمي والمصدر السري
لقد بُنيت القضية برمتها على “معلومة سرية” واستمارة بلاغ جرمي. والحق أن استمارة البلاغ الجرمي وحدها لا تصلح لثبوت الاتهام في حق المتهم، فالمصدر السري ادعى أن المتهم يحول أموالاً لمتسللين ومخالفين، ولم تُقدم سلطة الضبط دليلاً مادياً واحداً يثبت هوية هؤلاء المتسللين أو تواجدهم!
وفي هذا المقام نستذكر القاعدة الشرعية والقانونية الراسخة التي أرساها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر). والبينة هنا معدومة تماماً.
الركيزة الثانية: الكراسة الزرقاء (دليل الإدانة المزعوم)
اعتبر الادعاء العام أن “الكراسة الزرقاء” المضبوطة في مسكن المتهم، والتي حوّت أسماء ومبالغ مالية، هي الدليل الدامغ على ممارسته للعمل المصرفي. ولا تنهض هذه الكراسة، بمجرد اشتمالها على أسماء ومبالغ، دليلاً على طبيعة النشاط أو مصدر تلك المبالغ؛ فالمتهم يعمل “شريكاً تجارياً” ويمارس مهنة المقاولات. ومن البديهي والطبيعي جداً لأي مقاول يدير مجموعة من العمال (حوالي 10 أشخاص) أن يمتلك دفتراً لتسجيل يومياتهم، وسلفياتهم، وتواريخ إجازاتهم، ورواتبهم التي يتقاضونها.
إن محضر تفريغ الادعاء العام أثبت وجود أسماء ومبالغ، لكنه لم يثبت قط أن هذه المبالغ ناتجة عن “نشاط مصرفي لعموم الناس”. بل إن الختم المضبوط معه يحمل اسم (شركة ــــــــــ وشركاه)، وهو ختم شركة تجارية بحتة وليس مؤسسة مالية!
عدالة المحكمة الموقرة؛
إن الأمر الذي يحق معه للمتهم الدفع بخلو أوراق القضية من ثمة دليل لإسناد الاتهام له، هو أن كافة الأوراق والمضبوطات لا تدل على شيء سوى ممارسته لعمله التجاري كمقاول يساعد عماله في تحويل رواتبهم عبر القنوات الرسمية. وقد جاءت أوراق الدعوى خاوية من أي دليل قاطع ينهض لإدانة المتهم، ولما كانت كافة الأدلة المطروحة (البلاغ، الكراسة، الختم) هي مجرد قرائن تحتمل أكثر من تفسير، والتفسير الأرجح والأكثر توافقاً مع المنطق هو حسن نية المتهم وممارسته لمهنته الأصلية، فإن الشك يحيط بالاتهام من كل جانب.
لذلك؛ نلتمس من عدالتكم الموّقرة إعمال سلطتكم التقديرية والقضاء ببراءة المتهم لخلو الأوراق من ثمة دليل يقيني ولعدم كفاية الأدلة.
ثامناً: صحيفة سوابق المتهم تقطع بحسن سيرته وسلوكه
إن الناظر بإنصاف في أوراق هذه الدعوى، سيجد دليلاً قاطعاً سطرته الإدارة العامة للتحريات والبحث الجنائي بشرطة عُمان السلطانية بيديها، ألا وهو “صحيفة السوابق الجرمية” الخاصة بالمتهم، والتي جاءت ناصعة البياض تحمل عبارة رسمية صريحة: (لا توجد سوابق جرمية).
إن هذه الوثيقة ليست مجرد ورقة إجرائية، بل هي مرآة تعكس حياة رجل يحترم قوانين الدولة المقيم فيها، يسعى لكسب رزقه بشرف، ولم تتلوث يداه يوماً بأي شائبة إجرامية أو مخالفة للقانون.
فضيلة القاضي .. رئيس المحكمة الموّقرة؛
إن المتهم (ــــــــــ) يقف أمامكم اليوم وهو في ريعان شبابه، إذ يبلغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً، وهو زوج وأب لثلاثة أطفال في أعمار الزهور، جاء إلى هذا البلد الطيب بحثاً عن الرزق الحلال ليعولهم ويؤمن مستقبلهم. وإن زجّ هذا الشاب المكافح خلف القضبان بناءً على اتهام مرسل وغير ثابت يقيناً في الأوراق، لن يقع أثره المدمر عليه وحده، بل سيمتد كالنار في الهشيم ليدمر أسرة كاملة ويشرد أطفاله الذين لا عائل لهم سواه في هذه الحياة.
وفي مقابل هذه السيرة الحسنة والأسرة التي تنتظر عائلها، نجد أن البلاغ الجرمي تأسس حصراً على ما سُمي بالمعلومات السرية من مصدر مجهول! هذا المصدر الخفي الذي لم يمثل أمام الادعاء العام، ولم يُحقق معه، ولا توجد في الأوراق أي بيانات ترشد إليه أو تثبت هويته.
فمن يضمن لعدالتكم ألا يكون هذا “المصدر السري” مسجلاً لدى أجهزة الأمن العام؟ ومن يأمن أن تكون هذه الوشاية محض كيد أو تلفيق من شخص قد يتصف بالكذب أو بالخيانة، أراد النكاية بالمتهم لأغراض دنيئة؟ هل نُهدر حريات الناس، ونعصف بحياتهم الأسرية ومستقبل أطفالهم بناءً على ذلك من مصادر قد تكون غير أمينة وتتصف بالكذب، تاركين خلف ظهورنا السجل الأبيض الناصع للمتهم؟! وقد حذرنا المولى عزّ وجل وأمرنا بالتثبت والوقوف على الخبر وإلا الندم إذْ يقول في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [سورة الحجرات: الآية 6]
لقد أرست الشريعة الإسلامية الغراء، والتي نستمد منها روح القوانين وعدالة الأحكام، القاعدة الذهبية في العدالة الجنائية، وهي “درء الحدود بالشبهات”. وقد تجلى هذا المعنى العظيم في الأثر الخالد والمبدأ القضائي الراسخ الذي ينير دروب قضاتنا الأجلاء: (لأن يخطئ القاضي في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة).
بناءً على جميع ما تقدم:
فإذا كان الاتهام محاطاً بكل هذه الشكوك، بدءاً من بطلان الإجراءات وغياب المترجم، مروراً بانتفاء الركنين المادي والمعنوي، وصولاً إلى استناده لوشاية مجهولة في مواجهة شاب نظيف السجل يعول أطفالاً صغاراً.. فإننا نهيب بعدلكم المعهود وإنسانيتكم العالية أن تدرؤوا عنه هذا الاتهام، وتقضوا ببراءته، ليعود إلى أطفاله وعمله، رافعين عنه سيف هذا الاتهام.
لذلـــــك:
يلتمس المتهم من عدالة المحكمة الحكم: ببراءته من الاتهام المسند إليه.

