دفاع في قضية شيكات بدون رصيد: الدفع بشيك الضمان ومدنية النزاع
الأسانيد القانونية لإثبات انتفاء القصد الجنائي في قضايا الشيكات (تطبيقات من القضاء العماني)
// الطلبات والدفوع الأساسية: //
يلتمس المتهم من عدالة المحكمة الحكم بالبراءة من التهمة المسندة إليه، تأسيساً على:
- الدفع بمدنية النزاع وأن الشيكات البنكية المحررة من قبل المتهم كانت لأجل الضمان.
- انتفاء القصد الجنائي لدى المتهم.
// أولاً: الوقائع: //
1- بتاريخ 27/2/2021م، قام المتهم باستئجار ما هو البناية الكائنة على قطعة الأرض رقم (ــــــــــ)، الخوير، ولاية بوشر، المكونة من ــــــــــ شقة معدة للسكن، من المجني عليه نيابةً عن والده في هذا التعاقد، وذلك لقاء قيمة إيجارية شهرية قيمتها (4000 ر.ع) أربعة آلاف ريال عماني لا غير، لمدة خمسة سنوات وثلاثة أشهر تبدأ من 1/3/2021م وحتى 31/5/2026م، على أن يبدأ المتهم بسداد القيمة الإيجارية بداية من 1/6/2021م.
تأثير القوة القاهرة وتداعيات جائحة كورونا على التزامات المستأجر:
2- بسبب الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد في تلك الفترة بسبب جائحة فيروس كورونا، وركود التجارة والحالة الاقتصادية بشكلٍ عام، فقد تعثر المتهم (المستأجر) عن سداد قيمة الإيجارات في مواعيدها المتفق عليها مع المجني عليه.
3- بتاريخ 5/1/2022م، تم الإبلاغ من قِبَل المجني عليه ضد المتهم بموجب ثلاثة شيكات مرتجعة بقيمة (12000 ر.ع).
الاتفاق البديل: التعويض وتغيير أطراف التعاقد:
4- وللبحث عن حلول للخروج من الأزمة التي كان يمر بها المتهم، وباتفاق وتراضٍ مع المجني عليه، اتفقا على أن يجد المتهم (المستأجر) بديلاً له يحل محله في التعاقد، على أن يتم زيادة القيمة الإيجارية مع المستأجر الجديد بمبلغ (1000 ر.ع) لتصبح أصلاً وزيادة مبلغ ومقداره (5000 ر.ع) خمسة آلاف ريال عماني.
ليكون الفارق البالغ مقداره ألف ريال تعويضاً للمجني عليه عن تقاعس المتهم عن سداد القيمة الإيجارية، ومقابل صيانة العقار، وسداد قيمة استهلاك الكهرباء والمياه.
5- وجد المتهم (المستأجر) مستأجراً آخر يدعى/ــــــــــ، ليحل محله في التعاقد بذات الشروط باختلاف القيمة الإيجارية تكون (5000 ر.ع) شهرياً.
6- بتاريخ 19/9/2022م، أقر المجني عليه بتسليم المبنى بموجب إقرار مكتوب بذلك بمكتب وكيل المجني عليه المحامي/ــــــــــ، وبعد الاتفاق على تصفية جميع الخلافات، والاتفاق على البنود الجديدة، تم تحرير عقد للمستأجر الجديد، إلا أنّ المجني عليه رفض التوقيع عليه، ورفض إعطاء المتهم الشيكات المحررة الضامنة للقيمة الإيجارية، والمستحقة حتى 1/2/2026م حتى وقتنا هذا.
7- بتاريخ 6/5/2023م، أقام والد المجني عليه الدعوى رقم (ــــــــــ) إيجارات بمحكمة مسقط الابتدائية ضد المتهم.
بتاريخ 7/3/2024م، صدر فيها الحكم بالآتي: بإلزام المدعى عليه بأن يؤدي للمدعي مبلغاً مقداره (52000 ر.ع) اثنان وخمسون ألف ريال عماني عبارة عن قيمة أجرة العقار للفترة من 1/6/2021م حتى 30/6/2022م، مع إلزامه بسداد قيمة استهلاك الكهرباء والماء لذات الفترة…
8- بتاريخ 3/9/2023م، أقام المستأجر الجديد المدعو/ــــــــــ، ضد مالك العقار والد المجني عليه/ــــــــــ، الدعوى رقم (ــــــــــ) إيجارات بمحكمة مسقط الابتدائية، بغية القضاء لصالحه بثبوت العلاقة الإيجارية.
أقام الأخير فيها دعوى فرعية بغية القضاء لصالحه: (1- إخلاء البناية، 2- أن يدفع له إيجارات متأخرة عن الفترة من أول نوفمبر 2022 وحتى أبريل 2023 بواقع (30000 ر.ع) ثلاثون ألف ريال عماني، وما يستجد حتى تاريخ التسليم…).
بتاريخ 14/12/2023م، صدر فيها الحكم بالآتي: (1- برفض الدعوى الأصلية، 2- في الدعوى الفرعية بإلزامه بالأجرة المتأخرة مبلغ (5000 ر.ع) خمسة آلاف ريال عماني اعتباراً من 1/11/2022م، وما يستجد حتى تمام الإخلاء، وبسداد قيمة استهلاك الكهرباء والماء.
ليثبت بذلك لعدالة المحكمة بالحُكْمَّين سالفي البيان، أن القيمة الإيجارية كانت قيمة بالتعاقد مع المتهم مبلغ ومقداره (4000 ر.ع) أربعة آلاف ريال عماني، وأصبحت قيمتها (5000 ر.ع) بالمستأجر الجديد/ــــــــــ.
وأنّ هذا ما تم الاتفاق عليه تحديداً بين المتهم والمجني عليه، بأن تكون الأف ريال الفارق، هي تعويض عن التقاعس في سداد الأجرة، إلا أنّ المجني عليه قد خالف الاتفاق وصمم على تحقيق المكسب بأي طريقة حتى لو كانت على باطل، بأن رفض إعطاء المتهم الشيكات المحررة من قِبَله التي كانت محررة في الأساس ضماناً للوفاء بالقيمة الإيجارية.
فمن ناحية؛ يتم الضغط عليه بالقضاء الجزائي، ومن ناحية أخرى؛ بالقضاء المدني، وهو الأمر الذي لا يجوز وذلك تحقيقاً للغاية التي هدف إليها المشرع وهي توحيد القضاء في الخصومة الواحدة، ومن ثم فإن هذه القاعدة القانونية تكون من القواعد الآمرة المتعلقة بالنظام العام بما لا يجوز مخالفتها أو الاعراض عن تطبيقها وتلتزم المحكمة بإعمالها.
// ثانياً: الأسانيد القانونية والدفوع الموضوعية: //
الدفع الأول: مدنية النزاع واعتبار الشيك أداة ضمان لا أداة وفاء:
لما كان الأصل في الشيك أنه أداة وفاء تجري مجرى النقود في المعاملات واستثناء من هذا الأصل أن الشيك يكون مجرد تأمين للدائن.
(الطعن رقم 329/2010م – جزائي عُليا – جلسة 26/10/2010)
(الطعن رقم 88/2013م – جزائي عُليا – جلسة 4/6/2013)
وحيث أنّ جريمة شيك بدون رصيد. تحققها بمجرد إعطاء الشيك مع علم الساحب بعدم وجود مقابل معد للدفع. لا تأثير للبواعث على قيام المسؤولية الجزائية ولا تشترط توفر قصد الإضرار أو نية الإثراء على حساب الغير. الاستثناء. إذا حُرر الشيك في ظروف تدل على أنه تأمين للدائن.
(الطعن رقم 362/ 2008م – جزائي عُليا – جلسة 16/12/2008)
مبادئ وأحكام المحكمة العليا العمانية في شيكات الضمان:
وقد قضت – أيضاً – في هذا الصدد محكمتنا العليا بأن:
إذا تبين للمحكمة أن الشيك حُرر في ظروف تدل على أنه كان مجرد تأمين للدائن فإنه لا يجب أن تسبغ عليه الحماية الجزائية المقررة للشيك ومن ذلك ما يعرف بشيك الضمان ويقصد به الشيك الذي يعطيه الساحب إلى شخص آخر وهو شيك كامل البيانات وصحيح ولكنه يتعين معه أن يبقيه لديه ولا يتقدم لاستيفائه من المسحوب عليه ضماناً لدين أو واقعة معينة على أن يرده إليه متى وفّى الدين أو متى تحققت الواقعة وأن محكمة الموضوع هي التي تقرر ما إذا كان الشيك أداة وفاء أو أداة ضمان بالنظر لكل حالة على حدة في ضوء معطياتها الواقعية دون معقب عليها من المحكمة العليا ما دام استخلاصها للواقعة سائغاً ومعقولاً ويجد سنداً في الثابت من الأوراق.
(الطعن رقم 361/2013م – جزائي عُليا – جلسة 8/10/2013)
كما قررت المحكمة العُليا بأن شيك الضمان هو الشيك المُحرر في ظروف تدل مجرد تأمين هو استثناء من الحماية الجزائية للشيكات.. ذلك عندما قضت:
أنه كان مجرد تأمين للدائن فإنه لا يجب أن تسبغ عليه الحماية الجزائية المقررة للشيك، ومن ذلك ما يُعرف بشيك الضمان ويقصد به الشيك الذي يعطيه الساحب شخصاً آخر ولا يتقدم لاستيفائه من المسحوب عليه ضماناً لديْن أو واقعة معينة وعلى أن يرده إليه متى وفّى الدين أو متى تحققت الواقعة.
(الطعن رقم 171/2014م – جزائي عُليا – جلسة 13/5/2014)
ومما تقدم وبالمقرر في قضاء محكمتنا العُليا؛ يكون الشيك الذي تحميه المادة (356/أ) من قانون الجزاء هو الشيك المعروف في القانون التِجاري.
وهدياً بتلك المبادئ المستقرة التي درج عليه الفقه والقضاء وكان الثابت بما قدمناه من وقائع ما يؤكد أن الثلاثة شيكات –سند القضية– قد تم تحريرها للضمان وليس للوفاء.
لا سيما أن المجني عليه مازال يحتفظ حتى الآن بالشيكات الأخرى الضامنة لإيجارات حتى 1/2/2026م، قيمة كل شيك (4000 ر.ع) بدون أي مسوغ شرعي أو قانوني يبيح له ذلك.
وقد قضت المحكمة العليا بأن:
المشرع العُمّاني حدد وظيفة الشيك بأنه أداة وفاء تجري في المعاملات مجرى النقود، ومن ثم يستحق الوفاء وفق المادة (544) من قانون التِجارة، ولا عبرة في قيام جريمة إعطاء الشيك بدون مقابل وثبوتها بحق محرره بركنيها المادي والمعنوي بالسبب أو الغرض من تحريره، لأن ذلك من قبيل البواعث التي لا تأثير لها في قيام المسؤولية الجزائية، ما دام يعلم محرره بأن المستفيد لا يمكنه قبض قيمته ولا يهم بعد ذلك توفر قصد الإضرار لديه أو نية الإثراء على حساب الغير، واستثناء من هذا الأصل إذا تبين أن الشيك حُرر في ظروف تدل على أنه كان مجرد تأمين للدائن فإنه لا يجب أن تسبغ عليه الحماية الجزائية المقررة للشيك، ومن ذلك ما يعرف بشيك الضمان ويقصد به الشيك الذي يعطيه الساحب شخصاُ آخر وهو شيك كامل البيانات وصحيح ولكنه يتفق معه على أن يبقيه لديه ولا يتقدم لاستيفائه من المسحوب عليه ضماناً لديْن أو واقعة معينة وعلى أن يرده إليه متى وفّى الدين أو متى تحققت الواقعة.
(الطعن رقم 565/ 2013 – الدائرة الجزائية – 1/1/2014)
وفي هذا الصدد قضت محكمتنا العليا بأن:
الأحكام الجزائية تُبْنى على الجزم واليقين لا على الحدس والتخمين، واليقين القضائي مختلف عن اليقين الشخصي ويجب أن تتوافر فيه ثلاثة شروط هي اعتماد القاضي في حكمه على الأدلة القضائية، ومشروعية الإجراءات، وأن يخضع اقتناعه إلى العقل والمنطق. علة ذلك. أن الأصل في الإنسان البراءة والاستقامة وهو يقين قائم وثابت لا يدحض ولا يزول إلا بيقين مثله أو أقوى منه.
(الطعن رقم 11/ 2016 – الدائرة الجزائية – 19/4/2016)
ذلك يقول الفقه أنّ:
قوام القضاء الجنائي هو حقيقة الواقع، فلا تُبنى الأحكام الجنائية إلا على الواقع الفعلي الثابت على وجه الجزم واليقين، فإذا كان القاضي المدني مقيد في المسائل المدنية بقواعد لا يسمح فيها إلا بطرق محدده وينتج عن ذلك احتمال عدم تطابق الحقيقة القضائية مع الحقيقة الواقعية …. بل ينفرج الخلف بينهما.. ولكن يبرره اعتبار استقرار التعامل.
بينما يتمتع القاضي الجنائي في المسائل الجنائية بحرية مطلقه في تلمس وسائل الاقناع من أي دليل يقدم إليه توصلاً الى العدالة المطلقة بقدر الإمكان لما يترتب على الأحكام الجنائية من آثار خطيرة تتعلق بالحرية والحياة.
(المرجع: الوسيط في شرح القانون المدني للدكتور/ عبد الرزاق السنهوري)
(جزء 2 – الإثبات – طبعة 1964 – ص 15: 29)
وأن الحقيقة القضائية قد تبتعد عن الحقيقة الواقعية، بل قد تتعـــــارض وقد يكون القاضي من أشد الموقنين بالحقيقة الواقعية، وقد يعرفها بنفسه معرفه لا يتطرق إليها الشك، ولكن ينعدم أمامه الطريق القانوني لإثباتها فلا يجد من إهدارها والأخذ بسبل القانون في الإثبات، ومن ثم قد تتعارض الحقيقة القضائية مع الحقيقة الواقعية.
(المرجع السابق – ص 20: 27)
.. ولذلك فإن المحكمة في الدعوى الجزائية لها مطلق الحرية في أن تحكم على مقتضى ما تقتنع به دون تتقيد بأي حكم لسواها حتى وإنْ تناقض حكمها الصادر في دعوى أخرى مدنية أو جزائية.
الدفع الثاني: انتفاء القصد الجنائي وتوافر حسن النية لدى المتهم:
وتكون بذلك جميع الشيكات البنكية المحررة من قِبَل المتهم للمجني عليه –بما فيها الثلاثة شيكات سند القضية المطروحة– قد ارتضى المجني عليه أن تصير أداة ضمان للقيمة الإيجارية، كما ينتفي بذلك القصد الجنائي لدى المتهم لانتفاء سوء نيته بدليل أنه قام بالبحث عن مستأجر آخر يحل محله بقيمة إيجارية أعلى.
// ثالثاً: الطلبات الختامية: //
يلتمس المتهم من عدالة المحكمة الحكم ببراءته من الاتهام المسند إليه.

