من أعمالنا في مصر
دفاع في دعوى رد غير المستحق والتعويض عن التعسف في استعمال حق التقاضي
دليل قانوني وقضائي شامل يتضمن الدفع بحجية أحكام الأسرة، وتكييف النفقة الزوجية، مع أحدث أحكام النقض في اصطناع الدليل والتعويض عن اللدد في الخصومة
موجز وقائع التداعي وتسلسل النزاع الزوجي
تخلص وقائع التداعي في أن المدعى عليها كانت قد ارتبطت بالمدعي بموجب عقد زواج أجانب رسمي صحيح شرعاً وقانوناً مؤرخ في ــــــــــ، وصارت منذ ذلك التاريخ في احتباس شرعي لحقه المتبادل، على أن يتم الزفاف والدخول الفعلي ومغادرتها أرض الوطن معه عقب قيامه بإنهاء إجراءات تقنين إقامتها بدولة جنسيته الثانية وإقامته (ــــــــــ)، وذلك في خلال ستة أشهر بحد أقصى من تاريخ الزواج.
وما إن أُبرم العقد، حتى غادر المدعي مصر، تاركاً المدعى عليها في منزل والدها ترقب التزامه الأخلاقي والشرعي. وإبان قيام الزوجية، كان المدعي يرسل مبالغ مالية متباعدة كنفقة واجبة لزوجته المدعى عليها، إلا أن مسلك المدعي انحرف فجأة وبشكل قاطع؛ إذ كان آخر تحويل مالي أرسله إلى المدعى عليها في غضون شهر ــــــــــ من عام ــــــــــ، ومنذ ذلك التاريخ انقطعت صلة المدعي بالإنفاق على زوجته تماماً، ونفض يده من التزامه الشرعي الحتمي بإعالة زوجته، متراخياً طواعية وبلا عذر في إتمام الزفاف.
وعلى الرغم من هذا الجحود المادي التام الذي بدأ منذ ــــــــــ، إلا أن المدعى عليها –وتأكيداً لأعلى درجات حسن النية– اعتصمت بالصبر الجميل لمدة ناهزت التسعة أشهر كاملة عقب انقطاعه عن الإنفاق عليها، واضطرت إلى استهلاك تلك المبالغ في تدبير شؤون حياتها اليومية ومواجهة أعباء الحياة تحت الاحتباس لزوجها المدعي. ولم تلجأ إلى مكتب تسوية المنازعات الأسرية بمحكمة ــــــــــ بالطلب رقم ــــــــــ لسنة ــــــــــ إلا بتاريخ ــــــــــ، متبعة إياه بإقامة الدعوى رقم ــــــــــ لسنة ــــــــــ أسرة ــــــــــ بطلب التطليق للضرر.
وبجلسة ــــــــــ، أصدرت محكمة أسرة ــــــــــ الحكم بتطليق المدعى عليها من المدعي طلقة بائنة للضرر لغيبة الزوج وعدم الإنفاق، بعد أن ثبت للمحكمة يقينياً تعمد مضارته لها وعزوفه عن إتمام الزواج.
وجدير بالبيان لعدل المحكمة الموّقرة؛ أن هذا الحكم قد صدر حضوريًا في حقه، إذ كانت المدعى عليها حريصة على أن يتصل علمه اليقيني بدعوى التطليق عسى أن يرغب في تقديم دفاع أو دفوع أو حجج تبيح له الإضرار بها، وبالفعل حضر محاميه بجلسة ــــــــــ –كما هو ثابت بمحضر الجلسة المرفق– بعد إعلانه بالدعوى وبإعادة الإعلان وإعلانه بإحالة الدعوى للتحقيق، إلا أن الثابت أنه لم يقدم أي دفاع في هذه الدعوى، كذلك لم يطعن على الحكم الصادر فيها بالاستئناف –كما هو ثابت بالإفادة المرفقة– ومن ثم صار حكم التطليق نهائيًا وباتًا.
ورغم جلاء الحقيقة القضائية الباتة؛ إلا أنه أبى إلا اللدد في الخصومة، فأقام الدعوى الماثلة بطلب “رد غير المستحق” زاعماً بالقول المرسل بأن المدعى عليها سيئة النية، وهو ما يوجب الرد عليه بالدفاع الآتي:
الدفاع والأسانيد القانونية للرد على دعوى الخصم
أولًا: التمسك بحجية الحكم البات الصادر في دعوى التطليق للضرر وانعدام “الخطأ” من جانب المدعى عليها
من حيث نصّت المادة (101) من قانون الإثبات على أن: «الأحكام التي حازت قوة الأمر المقضي تكون حجة فيما فصلت فيه من الحقوق، ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه الحجية».
وقد أسس المدعي دعواه المدنية الراهنة على زعم باطل ومرسل مفاده أن المدعى عليها اتسمت بسوء النية وأنها عزفت عن إتمام الزواج وسارعت لطلب الطلاق منه. بَيْدَ أن هذا الزعم يتصادم جهاراً مع حجية الحكم الصادر بجلسة ــــــــــ في الدعوى رقم ــــــــــ لسنة ــــــــــ أسرة ــــــــــ، والذي حسم بصورة قطعية أن المدعي (الزوج) هو وحده، وبخطئه المحض، المتسبب في هدم رابطة الزوجية وعدم إتمام الزفاف؛ حيث سطر الحكم نصاً: “وتستخلص المحكمة تعمد مضارة المدعية… والمحكمة لا تجد العذر الشرعي أو القانوني للمدعى عليه فيما أتاه من سلوك بغيابه عن المدعية وعدم الإنفاق عليها”.
وبناءً عليه؛ فإن حجية هذا الحكم النهائي والبات تهدم ركن “الخطأ” المستند إليه المدعي، وتغدو دعواه منهارة الأساس لثبوت أن خطأ المدعي وحده هو السبب في إنهاء العلاقة الزوجية.
ثانيًا: انتفاء شروط دعوى استرداد غير المستحق (المادة 182 مدني)
إعمال القاعدة الأصولية: “من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود عليه”
قررت المادة (182) من القانون المدني بأنه يسترد ما دفع لسبب لم يتحقق أو لسبب زال. إلا أنّ المستقر عليه فقهاً وقضاءً، أنه يشترط لتطبيق هذا النص ألا يكون زوال السبب راجعاً إلى خطأ الموفي نفسه.
فالقانون لا يحمي المخطئ –لا سيما المتسبب في ضرر– ولا يبيح له استرداد الأموال بناءً على إحباطه هو للالتزام، إعمالاً للقاعدة الأصولية: «من سعى في نقض ما تم من جهته، فسعيه مردود عليه».
ولما كان زوال سبب الوفاء (وهو عقد الزواج) قد تحطم على صخرة خطأ الزوج (المدعي) وجحوده وهجره لزوجته، فلا يجوز له قانوناً أن يستفيد من خطئه الثابت قضاءً ليتخذه ذريعة لإلزام الزوجة برد ما دفعه من نفقة لها أثناء قيام رابطة الزوجية، الأمر الذي يحق معه للمدعى عليها أصليًا طلب رفض الدعوى لانتفاء شروطها.
ثالثًا: مصادمة الدعوى للقاعدة القانونية والشرعية التي تحظر استفادة المخطئ من خطئه
ولما كان المدعي يبتغي بدعواه الماثلة رد مبالغ أنفقها على زوجته أثناء قيام الزوجية التي هدمها هو بفعله، فإنه يكون قد صادم القاعدة الكلية المستقرة في النظام القانوني والتي تحظر على المخطئ أن يستفيد من خطئه أو أن يتخذ من انحراف سلوكه الشرعي والقانوني ستاراً لغصب حقوق الغير. إذْ إن القول بجواز استرداد مبالغ وفّاها المدعي طواعية ثم أحبط هو غرضها بهجره وتقصيره الثابتين قضائياً، فيه قلب للموازين القضائية، وحماية للمتعسف، وتمهيد لسبيل أكل أموال الناس بالباطل؛ وهو الأمر الذي حظره المشرع وحرمته الشريعة الإسلامية بشدة لما يترتب عليه من جرح للعدالة، وفصم لعُرى الثقة والإنصاف في المعاملات الإنسانية.
رابعًا: التكييف القانوني الصحيح للمبالغ المطالب بها باعتبارها “نفقة زوجية” يمتنع رجوعها
العبرة في تكييف الأموال هي بحقيقة الواقع القانوني والشرعي؛ ومن المقرر شرعاً وقانوناً أن الزوجة تستحق النفقة بموجب عقد الزواج الصحيح نظير احتباسها لحق الزوج.
ولما كان الثابت بحكم التطليق أن المدعي ترك الزوجة بمصر دون الإنفاق عليها، ولما كان واقع الحال –بإقرار المدعى عليها– يثبت أن آخر تحويل مالي أرسله كان في غضون شهر ــــــــــ من عام ــــــــــ؛ فإن أية تحويلات مالية متفرقة يدعي المدعي إرسالها إبان قيام ميثاق الزوجية –والتي عجز عجزاً مطلقاً عن إثبات قيمتها أو تقديم ثمة سند مادي يظاهر مجموعها المزعوم بصحيفة دعواه– لا تعدو في حقيقتها القانونية والشرعية إلا أن تكون نفقة زوجية واجهت بها المدعى عليها أعباء المعيشة ومستلزمات الحياة اليومية خلال فترة احتباسها لحقه، وصبرها الطويل لعدة أشهر ممتدة عقب انقطاع تلك الأموال تماماً. وبما أن تلك المبالغ المالية المتفرقة قد قُبضت وأنفقت في ظل قيام رابطة الزوجية، فإنها تأخذ حكم نفقة الزوجية التي يمتنع شرعاً وقانونًا طلب استردادها أو الرجوع فيها.
خامسًا: عدم جواز اصطناع الشخص دليلٍ لنفسه بنفسه
فمن الأصول المستقرة شرعاً وقانوناً أن الدليل الذي يُحتج به ضد الخصم يجب أن يكون صادراً منه أو منسوباً إليه حقيقةً حتى يكون حجةً عليه؛ فالورقة المكتوبة أو مبدأ الثبوت بالكتابة لا ينال من الخصم ما لم يكن بخطه أو توقيعه أو صادراً عنه.
ومن ثم؛ فمن البداهة القانونية والمنطقية الجازمة أنه لا يجوز للشخص أن يتخذ من عمل نفسه لنفسه دليلاً يقتضي به حقاً أو يواجه به الغير، إذ إن الشخص لا يملك أن يصطنع الدليل لنفسه. وقد رسّخت الشريعة الإسلامية الغرّاء هذا المنع في أروع صور الإنصاف بحديث المصطفى ﷺ عندما قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى أناس دماء رجال وأموالهم». فلا يجوز إذن أن يكون الدليل الذي يقدمه الخصم على صحة دعواه مجرد أقواله وادعاءاته الفردية، أو ورقة منفرداً بصياغتها دون شريك.
وتطبيقاً لذلك؛ جرت القاعدة العامة في فقه القانون المدني على أن: “الشخص لا يستطيع أن يخلق بنفسه لنفسه سبباً لحق يكسبه”، وهو ما استلهمه المشرع المصري في نص الفقرة الأولى من المادة (972) من القانون المدني لتنص على أنه: «ليس لأحد أن يكسب بالتقادم على خلاف سنده، فلا يستطيع أحد أن يغير بنفسه لنفسه سبب حيازته ولا الأصل الذي تقوم عليه هذه الحيازة». (المرجع: “الوسيط في شرح القانون المدني” – للدكتور/ عبد الرزاق السنهوري – الجزء الثاني “الإثبات وآثار الالتزام” – بند 30 – صـ 32).
ومن المقرر في قضاء محكمة النقض بأنه: لا يملك الشخص أن يتخذ من عمل نفسه لنفسه دليلاً يحتج به على الغير. (الطعنان رقمي 29 و31 لسنة 38 قضائية – جلسة 12/6/1973م – س 24 – صـ 894). وبأنه: لا يجوز للشخص أن يتخذ من عمل نفسه دليلاً لصالحه. (الطعن رقم 20 لسنة 54 قضائية – جلسة 22/5/1989م – س 40 – صـ 345 – فقرة 4).
بطلان حجية محاضر الشرطة الإدارية في الإثبات
ولما كان ذلك؛ وكان يتضح لعدالة المحكمة الموّقرة هوان الدليل في الدعوى الماثلة، إذ راح المدعي يحتج بمحرر اصطنعه بملء إرادته المنفردة، وهو محضر الشرطة رقم ــــــــــ لسنة ــــــــــ والمحرر بتاريخ ــــــــــ، زاعماً فيه كذباً استيلاء المدعى عليها منه على مبلغ ــــــــــ.
وهنا نكشف لعدالتكم التوقيت الكيدي المبيت لإجراء هذا المحضر؛ فقد جاء تحريره بتاريخ ــــــــــ، أي بعد أيام قليلة من حضور وكيل المدعي لجلسة ــــــــــ أمام محكمة أسرة ــــــــــ في دعوى التطليق للضرر! حيث استشعر المدعي من مجريات تلك الجلسة وشهادة الشهود دنو صدور حكم التطليق ضده، فسارع في جلبةٍ من أمرهِ لاصطناع ذلك المحضر كخطوة استباقية انتقامية للضغط على زوجته، إذ كانت المدعى عليها وقتئذٍ ما تزال زوجة له قبل صدور حكم التطليق البات.
ولما كان المدعي قد أقر بلسان وكيله في ذلك المحضر الإداري بأن الغرض منه هو مجرد “إثبات حالة”، فإن هذا الإقرار يُعد اعترافاً رسمياً حاسماً بعجزه عن تقديم البينة المادية وقت التحرير، ولجوئه إلى وسيلة إخبارية أحادية لا حجية لها مدنياً؛ فالمحضر المذكور ليس إلا وعاءً حوى أقوال المدعي ومزاعمه المرسلة، وبما أنه من صنع يد الخصم ولصالح نفسه، فإنه يضحى مجرداً من القيمة القانونية في الإثبات، خليقاً بطرحه وعدم التعويل عليه بموجب القواعد الآمرة لقانون الإثبات.
سادسًا: جَحد كافة الصور الضوئية للمستندات والتمسك بإنكار حُجيتها في الإثبات
فمن حيث المقرر في قضاء محكمة النقض أن الصورة الشمسية للمحرر لا حجية لها في الإثبات إذا جحدها الخصم. (الطعن رقم 630 لسنة 53 ق -جلسة 31/3/1988م).
ولما كان ذلك؛ وكان المدعي قد قدم بجلسة ــــــــــ حافظة مستندات طويت على صور ضوئية باهتة، غير واضحة المعالم، لـ “إيصالات تحويل مبالغ مالية عبر شركة ويسترن يونيون”؛ وحيث إن المدعى عليها تتمسك بجَحد وإنكار كافة تلك الصور الضوئية؛ فإنها تفقد بقوة القانون أية حُجية أو قيمة في الإثبات، وتغدو هباءً منثوراً معدومة الأثر.
لا سيما إثبات المدعي –على وجه حافظة مستنداته- لتاريخ ــــــــــ كآخر تحويل مالي، يقطع بيقين صدق المدعى عليها وثبوت حُكم التطليق البات بأن المدعي امتنع تماماً ونفض يده عنها وعن الإنفاق عليها منذ ذلك التاريخ وتركها كالمعلقة، مما يؤكد أن ما سلف تحويله لم يكن إلا نفقة زوجية إبان احتباسها الشرعي الواجب لحقه، وهي النفقة التي يمتنع شرعاً وقانوناً استردادها أو الرجوع فيها.
سابعًا: خلو الدعوى من أي دليل يساند المدعي وابتناؤها على مجرد مزاعم مرسلة
المقرر في قضاء محكمة النقض أنه: يُناط بالخصوم أنفسهم تقديم الدليل على ما يتمسكون به من أوجه دفاعهم وصحة دعواهم، وإلا كان دفاعهم ودعواهم عارياً عن الدليل. (الطعن رقم 5629 لسنة 78ق – جلسة 15/10/2015م). كما تقضي القاعدة الأصولية المستقرة في المادة الأولى من قانون الإثبات المصري بأن: «على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه».
وحيث إن الدعوى في فقه القانون القضائي هي: حق المطالبة بحق يحميه القانون، وشريطة قبولها إثبات صلتها بالحق المدعى به عبر أدلة معتبرة قانوناً، والادعاء العاري من الدليل هو والعدم سواء. فإذا جاز لنا تكييف صحيفة دعوى المدعي الأصلية تكييفاً مجرداً، لوجدنا أنها لم تكن إلا سياقاً قصصياً وحكايات إنشائية، خلت الأوراق معها من أي دليل مادي يساند المدعي في ادعائه الكيدي، إذ عجز المدعي عجزاً مطلقاً عن تقديم أي مستند رسمي أو عرفي يثبت أن تلك المبالغ تم تحويلها “بشـــــــــــــــــــــــــــــــروط” أو أن المدعى عليها أخلت بالتزامها، أو أنها تسلمت مبالغ نقداً باليد كما زعم.
إن المدعي شيَّد بنيان دعواه الماثلة واهياً على أقوال ومزاعم مرسلة، فراح يوزع اتهامات “سوء النية” و”التحايل” يميناً ويساراً في صحيفته دون مستند واحد يعضده، آملاً في استجداء عطف المحكمة بجهل، مسقطاً من حسابه أن قضاء المحكمة المدنية لا يحكم بالظنون ولا يتأثر بالعبارات الإنشائية، بل يزن الدعاوى بميزان الأدلة والقرائن القانونية القاطعة.
ولما كان المدعي قد صاغ دعواه بعيداً عن أصول التقاضي، ولم يتم إخضاع دعواه لقواعد البحث القانوني الرصين التي توجب تلازم الادعاء مع الدليل المعتبر، وجاءت أوراقه خاوية على عروشها من أي سند يبرر طلب “الرد” –لا سيما في مواجهة حقيقة قضائية باتة بحكم الأسرة أثبتت خطأه هو– فإن الدعوى تضحى قائمة على غير سندٍ شرعي أو قانوني منهارة أركانها، خليقة بالرفض لافتِقارها لأي دليل يؤيدها.
ومن حيث المقرر في قضاء محكمة النقض بأن: الدفاع الذي تلتزم محكمة الموضوع بمواجهته وإبداء الرأي فيه هو الدفاع الجوهري الذي يترتب على الأخذ به تغير وجه الرأي في الدعوى… أما ما دون ذلك من أوجه الدفاع فإنه لا يعدو أن يكون من قبيل المرسل من القول الذي لا إلزام على محكمة الموضوع بالالتفات إليه. (الطعن رقم 2520 لسنة 72 ق – جلسة 19/10/2014م). وأن محكمة الموضوع غير ملزمة بتكليف الخصوم بتقديم الدليل على دفاعهم، أو لفت نظرهم إلى مقتضيات هذا الدفاع وحسبها أن تقيم قضاءها وفقًا للمستندات والأدلة المطروحة عليها بما يكفي لحمله. (الطعن رقم 212 لسنة 37ق – جلسة 21/3/1972م).
التأصيل القانوني لطلب التعويض عن التعسف في التقاضي (الدعوى الفرعية)
ومن حيث نصّت المادة (123) من قانون المرافعات على أن: «تقدم الطلبات العارضة من المدعي أو من المدعى عليه إلى المحكمة بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى قبل يوم الجلسة، أو بطلب يقدم شفاهاً في الجلسة في حضور الخصم ويثبت في محضرها…». ونصّت المادة (125) من ذات القانون على أن: «للمدعى عليه أن يقدم من الطلبات العارضة: (1) طلب المقاصة القضائية وطلب الحكم له بالتعويضات عن ضرر لحقه من الدعوى الأصلية أو من إجراء فيها…».
توافر أركان المسؤولية التقصيرية في مسلك الخصم
ومن حيث شُيِّدت هذه الدعوى الفرعية بطلب التعويض على توافر أركان المسؤولية التقصيرية في حق المدعى عليه فرعياً، نتاج انحرافه الصارخ بحق التقاضي المكفول دستورياً وقانونياً، وتحويله إلى أداة لـ “اللدد في الخصومة والعنت” ابتغاء النكاية والإضرار بالطالبة. وينعقد التأصيل القانوني لهذا الطلب على القواعد الحاكمة لنظرية التعسف في استعمال الحق المنصوص عليها في المادتين الرابعة والخامسة من القانون المدني؛ إذ يخرج استعمال الحق عن دائرة المشروعية ويشكل خطأً موجباً للتعويض إذا لم يقصد به صاحب الحق سوى الإضرار بالغير، أو إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة، أو قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الآخرين من ضرر فادح.
وقد توافر ركن الخطأ التقصيري في مسلك المدعى عليه فرعياً ثبوتاً يقينياً مستنداً إلى سببين جوهريين:
-
وضوح الحق ومصادمة حجية الأمر المقضي: إقدام المدعى عليه فرعياً على ولوج ساحة القضاء المدني طالباً استرداد مبالغ بزعم “سوء نية الطالبة وعزوفها عن الزفاف”، في تحدٍّ صارخ وعلم يقيني بصدور حكم قضائي بات في الدعوى رقم ــــــــــ لسنة ــــــــــ أسرة ــــــــــ، والذي حسم النزاع بصفة قطعية وقضى بتطليق الطالبة منه طلقة بائنة للضرر لعلة خطئه هو، وهجره المتعمّد، وتقصيره التام في الإنفاق منذ ــــــــــ؛ مما يؤكد انحرافه بحق التقاضي وعلمه بانعدام حقه.
-
اتخاذ ظاهر القواعد ستاراً غير أخلاقي للنكاية: صياغة مطالبته برد نفقات زوجية سابقة في قالب “دعوى رد غير مستحق”، والتي لا تعدو في حقيقتها إلا أن تكون اتخاذاً لظاهر النصوص المدنية كستار غير أخلاقي لغرض مستتر يبتغي الاستهانة المقصودة بمركز الطالبة وملاحقتها بالعنت عقب صدور حكم الطلاق.
عناصر التعويض الجابر للضرر الأدبي والمادي
وحيث أثمر هذا الخطأ الموصوف أضراراً مادية وأدبية جسيمة حلت بالطالبة، وتوافرت رابطة سببيتها المباشرة بمسلك المدعى عليه فرعياً؛ إذ تسبب في تكبدها وعثاء الخصومة ونفقات الاستعانة بالدفاع ماديّاً، فضلاً عما تجرعته من آلام الحزن والمساس باعتبارها الاجتماعي والأدبي جراء رميها اتهاماً بالتحايل وسوء النية في صحيفة دعوى معلنة؛ الأمر الذي يوجب مسؤوليته الكاملة عن التعويض الجابر إعمالاً للقواعد العامة وقضاء النقض المستقر.
فمن المقرر في قضاء محكمة النقض؛ أن الضرر الأدبي هو الذي لا يصيب الشخص في ماله ويمكن إرجاعه إلى أحوال معينة. (الطعن رقم 13444 لسنة 90 ق – جلسة 24/6/2021م). ومن المستقر عليه فقهاً وقضاءً؛ أن الأضرار الأدبية والنفسية هي أضرار لا تقبل التعويض الحرفي بمحو أثرها من الوجود؛ إذ لا يوجد ثمن أو مال يجبر انكسار النفس.
وفي هذا المقام، نسترشد بما أصّله العلامة الدكتور عبد الرزاق السنهوري في مؤلفه الخالد (الوسيط – ص 835 وما بعدها) حيث يقرر فلسفة التعويض الأدبي بقوله: «…إلا أن الضرر الأدبي لا يمحى ولا يزال بتعويض مادي، ولكن يقصد أن يستحسن المضرور لنفسه بديلاً عما أصابه من الضرر الأدبي. فالخسارة لا تزول ولكن يقوم جانبها كسب يعوض عنه، وعلى هذا المعنى فمن أُصيب في شرفه واعتباره جاز أن يعوض عن ذلك بما يرد اعتباره بين الناس، ومن أصيب في عاطفته ومشاعره إذا حصل على تعويض مادي يفتح له أبواب المواساة فيكفكف من شجنه، والألم الذي يصيب النفس يسكن من أوجاعه ما ينال به المضرور؛ أي يرفه عن نفسه».
وبتطبيق هذا التأصيل الفقهي الرفيع على مسلك المدعى عليه فرعياً، تتبدى فداحة الأضرار الأدبية والنفسية التي تجرعتها الطالبة، ويتأصل حقها في التعويض الجابر على النحو الآتي:
1. جَبْر المساس بالشرف والاعتبار (رد الاعتبار بين الناس)
إن مفاجأة الطالبة بتحرير محضر الشرطة رقم ــــــــــ لسنة ــــــــــ ضدها إبان قيام الزوجية وإقامة الدعوى الأصلية بعدها، رمياً إياها باتهامات كاذبة كـ”الاستيلاء والتبديد وسوء النية” في محررات رسمية علنية، يمثّل طعناً مباشراً في سمعتها وأمانتها، مما يصيب مركزها الاجتماعي والأسري بمقتل؛ ومن ثم، فإن التعويض المادي المطالب به يُمثّل الوسيلة القضائية الحتمية لـ”رد اعتبارها بين الناس” ودحض افتراءات الخصم المدعى عليه فرعياً ناصعةً أمام الكافة.
2. مواساة النفس وتكفيف الشجن (بديل الغدر والتجني)
يتجلى الألم النفسي في مرارة الغدر؛ إذ بعد أن صبرت الطالبة تسعة أشهر كاملة بلا عائل، يباغتها الخصم بوصف نفقاتها الزوجية المستهلكة بأنها “خيانة أمانة”، نكايةً بحكم التطليق البات للضرر الصادر ضده؛ فالمال هنا لا يعدو إلا أن يكون “بديلًا ومواساةً قضائية” تفتح للطالبة أبواب الترفيه عن نفسها المجهدة، وتسكين أوجاع صدمتها فيمن قصر في حمايتها إبان الزوجية، ثم أصر على عنتها ولددها في ساحات القضاء بعد الخلاص منه.
وبناءً عليه؛ تكون عناصر الضرر المعنوي قد استقامت يقيناً في حق المدعية فرعياً، الأمر الذي يحق معه لها طلب الحكم لصالحها بكامل مبلغ التعويض المطالب به جابراً لخاطرٍ انكسر بغير حق.
الخاتمة
رئيس المحكمة الموقرة؛ إن لكل خصومة أوراقاً تُقرأ، ولكن خصومة المدعى عليه فرعياً تُقرأ بمدادٍ من العنت واللدد الظاهر في الخصومة؛ إن الضرر المعنوي الذي تجرعته الطالبة في هذه القضية لا تلخصه السطور، ولا تجبره الكلمات. فبينما كانت تداوي جراح تجربة زوجية مريرة حطمها جحود المدعى عليه فرعياً وهجره، إذ به يباغتها بهذه الخصومة الكيدية، طاعناً في شرف أمانتها وحُسن نيتها.
ولم يقف الحد عند إساءة استعماله لـ “حق التقاضي” فحسب، بل جاء الكشف المتأخر والمفاجئ لعدالتكم ولنا عن محضر الشرطة رقم ــــــــــ لسنة ــــــــــ، ليكشف عن وجهٍ آخر من وجوه العنت والترصد، ويثبت إصراره المبيت على “إساءة استعمال حق الشكوى”؛ ذاك الحق الذي كفله القانون للإنصاف لا للنكاية، إذ سارع لتوجيه اتهامات كاذبة بالاستيلاء والتبديد، دون أي سندٍ من حقٍ أو حقيقة. فبأي منطق وبأي نية يُحرر هذا المحضر الكاذب ضد الطالبة وهي ما تزال في عصمته، وعلى ذمته، وتحمل اسمه؟!
إن هذا المسلك الفج، إن دلّ على شيء، فإنما يدل على نية غدر وسوء نية تمتد جذورها إلى مهد قيام الزوجية؛ وهنا يتسلل الخوف والوجل إلى النفوس، ويطرح السؤال الإنساني نفسه أمام وعي وعدالة منصتكم الموقرة: إذا كان هذا هو غدره ومكره بالطالبة وهي في بلدها، وبين أهلها، وفي كنف عشيرتها، فماذا كان سيفعل بهذه البنــــت الضعيفة لو قُدّر لها السفر معه والاستسلام لحوزته في دولة أجنبية بعيدة (ــــــــــ)، منقطعة العواصم عن ذويها وأمها؟!
لكن لطيف الخبير سبحانه وتعالى كان أرحم بها من قلبه الجاحد، فقدر لها الخير كله وعصمها منه، حينما قضت محكمة أسرة ــــــــــ بحكمها الحضوري العادل بالتطليق للضرر، لتخرج من هذه التجربة القاسية وهي ما تزال بكراً، لتتلاشى معالم الضرر المستقبلي المتوقع من هذا الشخص، ولتحمد الله تبارك وتعالى بكرة وأصيلاً على ما وصلت إليه من نجاة وخلاص.
عدالة المحكمة الموقرة؛ إن المدعى عليه فرعياً لم يرعَ ميثاقاً غليظاً، ولم يهدأ له بال، ولم يرضَ بقضاء الله وقضاء القاضي البات، بل يبدو أنه آثر مواصلة الغي وإلقاء التهم جزافاً؛ بَيْدَ أننا نعتصم بالله عز وجل أولاً، موقنين بنص كتابه العزيز: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾، وتشرئب أعناقنا ثانياً إلى محراب قضائكم العادل، واثقين يقيناً أنه سيكون له بالمرصاد، فيُسدد في وجه كيده حكماً رادعاً جابراً للأضرار، ليكون زجراً لجموحه، وإنصافاً لكرامة امرأة أُهدرت وقد تهدر مرات أخرى بغير حق.
الطلبات الختامية في الدعويين الأصلية والفرعية
وبناءً عليه، ولما تقدم من أسباب وأسانيد، تلتمس المدعية فرعيًا القضاء بالآتي:
أولاً: من حيث الشكل:
قبول الطلب العارض شكلاً لاستيفائه الأوضاع القانونية المقررة بالمادتين (123) و(125) من قانون المرافعات.
ثانيًا: في الموضوع:
-
(في الدعوى الأصلية): رفض الدعوى الأصلية، وإلزام المدعي أصليًا بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة.
-
(في الدعوى الفرعية): إلزام المدعى عليه فرعيًا بأن يؤدي للمدعية فرعيًا مبلغ مقداره ــــــــــ، تعويضًا جابرًا للأضرار المادية والأدبية التي لحقت بها جراء انحرافه بحق التقاضي، وإقامته للدعوى الأصلية بمسلك كيدي يلتوي على الحقيقة القضائية الثابتة بالحكم البات الصادر في الدعوى رقم ــــــــــ لسنة ــــــــــ أسرة ــــــــــ، مع إلزام المدعى عليه فرعيًا بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة.

