أثر الإعلان القضائي على انعقاد الخصومة والتحول الرقمي في التقاضي
من انعدام الأحكام وبطلانها إلى الإعلانات الإلكترونية: كيف يسهم التحول الرقمي في ضمان حق الدفاع والعدالة الناجزة؟
الإعلان القضائي ومبدأ المواجهة كضمانة دستورية لحق الدفاع:
يمثل الإعلان القضائي النواة الرئيسية لمبدأ المواجهة بين الخصوم، فلا انعقاد للخصومة إلا بموجب إعلان المُدَّعى عليه بهذه الخصومة، وبموضوعها وبالطلبات المُدَّعَى بها، ومن المقرر قضاءً أنه لا قضاء إلا في خصومة، ولا خصومة بغير دعوى يقيمها مدَّعيها، وحسبما نصّت عليه المادة رقم (63) من قانون المرافعات في المواد المدنية والتِجارية رقم 13 لسنة 1968[1].
ويعد مبدأ المواجهة بين الخصوم من أهم تطبيقات حق الدفاع، وكان الدستور المصري حريصاً على تنظيم هذا الحق مقرراً كفالته كضمانة أولية لعدم الاخلال بالحرية الشخصية ولصون الحقوق والحريات، كما قرر الدستور أن التقاضي حق مصون ومكفول للكافة[2].
أثر الإعلان على صحة الأحكام: التفرقة بين الحكم الباطل والحكم المعدوم:
كما يعتبر انعقاد الخصومة هو الركن الأساسي لأركان الحكم القضائي، الذي يأتي بعده صدور الحكم من قاضي له ولاية القضاء في الدعوى، وأن يكون هذا الحكم مكتوباً، لذلك إذا افتقد الحكم لأحد هذه الأركان الثلاثة أعتبر منعدماً منذ صدوره، ولا يرتب حجية الأمر المقضي ولا يرد عليه التصحيح لأن المعدوم لا يمكن رأب صدعه.
وفي ذلك ذهب جانب من الفقه إلى أن الحكم المعدوم هو الذي يفقد ركناً أساسياً من أركان وجوده، وذلك عكس الحكم الباطل الذي يشوبه عيب يمكن تصحيحه، فالعيب الذي يؤدي إلى انعدام الحكم القضائي هو عيب من الجسامة بحيث يجعل ما ورد به غير جدير بالاحترام الواجب للأحكام القضائية وانعدام الحكم يجعله غير صالح لأداء وظيفته كحكم ويحول دون اعتباره منذ صدوره ولا يستنفذ القاضي ولايته ولا يرتب هذا الحكم حجية الأمر المقضي[3].
موقف المشرع المصري: شرط إعلان الصحيفة لانعقاد الخصومة:
ولما كانت الخصومة القضائية تبدأ بإعلان الدعوى، وتنتهي بإعلان الحكم للمحكوم عليه، وبين تلك البداية وهذه النهاية إجراءات قانونية تحكم كلٍ منهما.
وتطبيقاً لما سبق؛ فإن الإعلان هو الأداة التي يتحقق بها مبدأ المواجهة بين الخصوم، ويثبت به انعقاد الخصومة انعقاداً صحيحاً – في حالة غياب الخصم – فقد عني المشرع المصري في عام 1992 إلى تعديل المادة (68) من قانون المرافعات المدنية والتِجارية، وإضافة فقرة ثالثة لها تنص على: «ولا تعتبر الخصومة منعقدة في الدعوى إلا بإعلان صحيفتها إلى المُدَّعى عليه ما لم يحضر بالجلسة»[4].
التحول الرقمي والإعلان القضائي الإلكتروني: التجربة العُمانية نموذجاً:
وقد كان النظام الأساسي لسلطنة عمان – أيضاً – حريصاً على حماية حق التقاضي[5]، وكفالة حق الدفاع، فقام المشرع العماني بمواكبة التقدم المزدهر في مجال تكنولوجيا المعلومات مستفيداً منه في خدمة مرفق القضاء وتحقيق العدالة الناجزة، وكان قد أصدر المشرع العماني قانون المعاملات الإلكترونية[6].
وقد اتجه المشرع العماني إلى اتخاذ قرار تغيير آلية إجراءات إقامة الدعاوى والطعن على الأحكام الصادرة فيها، وإجراءات تنفيذ الإعلانات القضائية في ظرف استثنائي كان يمر بالعالم أجمع إبان اجتياح فيروس كوفيد-19، وتم إصدار قانون تبسيط إجراءات التقاضي في شأن بعض المنازعات[7].
وقرر المشرع العماني بهذا القانون الأخير بأنه يجوز رفع الدعاوى والطعن في الأحكام الصادرة فيها عن طريق الأنظمة الإلكترونية المخصصة لذلك، كما يجوز إيداع المذكرات وتقديم المستندات والطلبات والاطلاع على أوراق الدعوى أو الطعن إلكترونياً[8].
كما قرر أنه يجوز بشأن إعلان الأوراق القضائية أن يتم الإعلان برسالة هاتفية مكتوبة، أو بأي وسيلة اتصال إلكترونية قابله لحفظه واستخراجه[9].
بما يعد تطوراٌ جذرياً لإجراءات جوهرية من إجراءات التقاضي، ومنها الإعلان القضائي، ويجرى العمل بهذه الإجراءات منذ تاريخ نشر القانون بالجريدة الرسمية في 22/11/2020م وحتى الآن لفترة تزيد على الثلاثة سنوات، محققاً نجاحاً مشهوداً وانطلاقة سريعة نحو التحرر من الإجراءات المعقدة، ومنها – على وجه التحديد – إجراءات تنفيذ الإعلان القضائي.
تقييم التجربة الرقمية وآفاق تطوير الإعلان القضائي:
ولا ريب أن نتائج نجاح هذه التجربة خلال تلك الفترة جديرة بلفت الأنظار إليها لما حققته من ثقة بين المتقاضين، ومما يجذبنا إلى النظر إليها باهتمام والتدقيق لإجراء المقارنات العلمية والعملية بينها وبين الإجراءات التقليدية، للوقوف على المزايا والعيوب للخروج بنتائج وتوصيات تساعد على النهوض بفكرة الإعلان القضائي وإجراءات تنفيذه، الأمر الذي قد يساعد إلى تحقيق العلم اليقيني لدى المتقاضين وبالتالي تحقيق مبدأ المواجهة بين الخصوم باعتباره من أهم تطبيقات حق الدفاع.
[1] الطعن رقم 9206 لسنة 77 ق – الدائرة المدنية – بتاريخ 24/1/2023م.
[2] المادة (97) من دستور جمهورية مصر العربية 2014.
[3] دكتور/ أحمد أبو الوفا – نظرية الأحكام في قانون المرافعات – ط5 – 1985 – ص 316، دكتور/ نبيل إسماعيل عمر – أصول المرافعات المدنية والتجارية – ص 1200.
[4] القانون رقم 23 لسنة 1992 بشأن تعديل بعض أحكام قوانين المرافعات المدنية والتجارية والإثبات في المواد المدنية والتجارية والعقوبات والإجراءات الجنائية وحالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض والرسوم القضائية ورسوم التوثيق في المواد المدنية – الجريدة الرسمية – العدد 22 “مكرر” – في 1 يونيو سنة 1992.
[5] المادة (30) من المرسوم السلطاني رقم 6/ 2021 بإصدار النظام الأساسي للدولة: «التقاضي حق مصون ومكفول للناسِ كافة».
[6] الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 69/ 2008 – المنشور في عدد الجريدة الرسمية رقم (864) الصادر في 1/6/2008.
[7] الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 125/ 2020 – المنشور في عدد الجريدة الرسمية رقم (1367) الصادر في 22/11/2020م.
[8] المادة رقم (5) من قانون تبسيط إجراءات التقاضي: «استثناء من قانون المعاملات الإلكترونية، يجوز رفع الدعاوى المنصوص عليها في المادة (1) من هذا القانون، والطعن في الأحكام الصادرة فيها، بصحيفة تودع أمانة سر المحكمة عن طريق الأنظمة الإلكترونية المخصصة لذلك، وفقا للضوابط المحددة من قبل رئيس مجلس الشؤون الإدارية للقضاء، كما يجوز كذلك إيداع المذكرات وتقديم المستندات والطلبات والاطلاع على أوراق الدعوى أو الطعن إلكترونيا. ويسري حكم هذه المادة على جميع الدعاوى غير المنصوص عليها في هذا الفصل، وعلى الطعن في الأحكام الصادرة فيها».
[9] المادة رقم (18) من قانون تبسيط إجراءات التقاضي: «استثناء من قانون المعاملات الإلكترونية، ومع مراعاة الأحكام الواردة في قانون الإجراءات المدنية والتجارية بشأن إعلان الأوراق القضائية، يجوز أن يتم الإعلان برسالة هاتفية مكتوبة، أو بأي وسيلة اتصال إلكترونية قابلة لحفظه، واستخراجه، يصدر بتحديدها قرار من رئيس مجلس الشؤون الإدارية للقضاء. ويسري حكم هذه المادة على إجراءات إعلان الأوراق القضائية في الدعاوى غير المنصوص عليها في هذا الفصل، وإجراءات إعلان الأحكام الصادرة فيها، وتنفيذها، والطعن فيها»

